الشيخ عبد الغني النابلسي

214

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

إلى اللّه تعالى فأوحى اللّه تعالى إليه أنّ بيتي هذا لا يقوم على يدي من سفك الدّماء ، فقال داود يا ربّ ألم يكن ذلك في سبيلك ؟ قال : بلى ولكنّهم أليسوا عبادي ؟ فقال : يا ربّ فأجعل بنيانه على يدي من هو منّي فأوحى اللّه تعالى إليه أنّ ابنك سليمان يبنيه . واعلم يا أيها السالك أن الشفقة من الإنسان على عباد اللّه تعالى سواء كانوا مؤمنين أو كافرين ولو في حد أو قصاص ونحو ذلك أحق وأولى بالرعاية لها من الغيرة في اللّه تعالى بالقتل وسفك الدم . وأما قوله تعالى : الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ [ النور : 2 ] ، وذلك في غير القتل وسفك الدم من أنواع الحدود والتعازير وغيرهما وقد ورد في الخبر أنه أراد داود عليه السلام بنيان بيت المقدس فبناه مرارا فكلما فرغ منه ، أي من بنيانه تهدم ولم يستقم بنيانه على يديه فشكى ، أي داود عليه السلام ذلك ، أي تهدم البنيان إلى اللّه تعالى فأوحى اللّه تعالى إليه قائلا إن بيتي هذا لا يقوم ، أي يثبت بنيانه على يدي من سفك الدماء ، وذلك أن داود عليه السلام مع طالوت في بني إسرائيل غزا الجبابرة الكنعانيين وسفك دماءهم بأمر اللّه تعالى وقتل داود جالوت وآتاه اللّه الملك فقال داود عليه السلام يا رب ألم يكن ذلك ، أي سفك دماء الجبارين في سبيلك ، أي طريقك المشروع لنا بالوحي منك طلبا لمرضاتك وامتثالا لأمرك . قال اللّه تعالى بلى ، يعني كان ذلك كذلك ولكنهم ، أي المسفوك دماؤهم من الكفار الجبارين أليسوا عبادي ، أي أنا خلقتهم ورزقتهم وأقمتهم فيما أردت من الأحوال وخلقت لهم ما شئت من الأعمال والأقوال . قال داود عليه السلام عند ذلك يا رب فاجعل بنيانه ، أي بيت المقدس على يدي من هو مني ، أي أحد من ذريته ليكون له نصيب من الثواب ولا يحرم ذلك بالكلية فأوحى اللّه تعالى إليه ، أي إلى داود عليه السلام أن ابنك سليمان عليه السلام يبنيه ، أي بيت المقدس ويستقيم بنيانه على يديه . * * * فالغرض من هذه الحكاية مراعاة هذه النّشأة الإنسانيّة ، وأنّ إقامتها أولى من هدمها . ألا ترى عدوّ الدّين قد فرض اللّه في حقّهم الجزية والصّلح إبقاء عليهم ، وقال : وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [ الأنفال : 61 ] ؟ . ألا ترى من وجب عليه القصاص كيف شرّع لوليّ الدّم أخذ الفدية أو العفو ؟